/ المنشورات

الخميس, 25 يونيو, 2026

من الجذور إلى الأسواق: كيف نزرع مستقبل العسل في حضرموت؟

من الجذور إلى الأسواق: كيف نزرع مستقبل العسل في حضرموت؟

من الجذور إلى الأسواق: كيف نزرع مستقبل العسل في حضرموت؟

في حضرموت لا تبدأ حكاية العسل من الخلية بل من الأرض. من تلك المساحات الصامتة التي تحتمل الشمس والعطش والريح، وتُخبِّئ في تربتها سر النكهة، وسر الجودة، وسر السمعة التي جعلت عسل السدر اليمني حاضرًا وراسخًا في ذاكرة الأسواق العالمية، بشهرةٍ تخطّت الحدود وبلغت موائد الذوّاقة في كل مكان.

هناك حيث تُقاس قيمة العسل بمرعاه قبل أن تُقاس بوزنه، تبلورت لدى وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر SMEPS رؤيةٌ مفادها أن أي حديث عن تطوير قطاع العسل لا يمكن أن يكون مكتملًا ما لم يبدأ من الأصل.. من الشجرة.

فالسدر في اليمن ليس مجرد شجرة تُزرع لتُرى، بل هو ركيزة حياة. هو ظلٌ للتربةِ، وغذاء للنحل، وعنوان لصبر الأرض في وجه القسوة المناخية. ومن أزهاره يولد ذلك العسل الذي عُرف بكثافته وطعمه ورائحته وقيمته العالية. وحين تضعف أشجار السدر أو تتراجع رقعتها، لا يخسر النحل وحده، بل يخسر معه المزارع والنحال والسوق والبيئة معًا. هذه المعادلة البسيطة والعميقة في آن واحد كانت منطلق التفكير لدى الوكالة بأنه لا يمكن بناء اقتصاد قوي للعسل فوق مرعىً مُتعب.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ومن هنا جاء تدخل الوكالة بتمويلٍ سخيٍّ من البرنامَج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، والبنك الإسلامي للتّنمية ضمن مشروع تعزيز الوصول للأسواقMARKETSYemen  مختلفًا في روحه قبل أن يكون مختلفًا في شكله. إذ لم يكن الهدف فقط تحسين الجودة أو التعبئة أو تطوير العلامات التجارية أو فتح منافذ بيعٍ جديدةٍ فحسب، بل كان القرار الأعمق هو الاستثمار في الزمن الطويل، في شيء لا يعطي ثماره سريعًا، لكنه حين يعطيها يغيّر كل ما حوله. كان القرار هو العودة إلى السدر.

هكذا بدأت حكاية زراعة (60,667) شتلةَ سدرٍ في سبع مديرياتٍ من وادي حضرموت والمرتفعات المنتجة للعسل. شتلات صغيرة في شكلها، إلا أنها كبيرة في معناها. كل شتلة منها ليست مجرد إضافة رقمية إلى الغطاء النباتي، بل وعد بجودة أعلى، واستقرار أكبر، ومستقبل أقل هشاشة لقطاع كامل يعيش آلاف الأسر منه.

ومع الأيام لم تعد هذه الفكرة مجرد خطة، وإنَّما صارت مشهدًا يُرى على الأرض، تمتد فيه الخطوط الخضراء الجديدة من الطويلة سيئون حيث يتكئ الوادي على تاريخه الزراعي، إلى تريم مدينة النخيل والعلم، مرورًا بالقطن حيث تتسع الأرض للنحل كما تتسع للضوء، وصولًا إلى العالية شبام التي تحرس الوادي بطينها العتيق، وساه التي تفتح للمرتفعات بابها على مراعي العسل وغيرها من المناطق الأخرى التي بدأت تستعيد لونها الأخضر كأنها تعيد رسم الخريطة البيئية لوادي حضرموت ببطءٍ وثقة.

ولأن SMEPS تعرف أن الزراعة ليست لحظة احتفال، بل مسؤولية طويلة. فالشتلة التي تُغرس اليوم قد لا تنجو إن تُركت وحدها في مواجهة الجفاف والإهمال. من هنا جاءت شراكتها مع مؤسسة نهد التنموية التي لم تتمثل فقط في تنفيذٍ تقني، بل كفلسفة عملٍ تقوم على أن التنمية الحقيقية لا تكتفي بالوصول وإِنمَّا تبقى وتتابع وتحمي: رعايةً، وسُقيا، وتقليم، وحماية، وتوعية للمجتمع بقيمة ما يُزرع ولماذا يجب أن يبقى. وبهذا لم يعد هذا التدخُل مجرد نشاط زراعي، بل صار مشروعًا اجتماعيًا تشاركيًا، يشعر فيه الجميع أن هذه الأشجار تخصهم، وأن مستقبلها هو جزءٌ أصيل من مستقبلهم.

ومع كلّ شجرةٍ تكبر، تتغير أشياء كثيرة بهدوء. يتحسن المرعى، فتتحسن صحة النحل. وحين تتحسن صحة النحل، يتحسن العسل. وحين يتحسن العسل، يصبح الحديث عن الجودة والمعايير والتسويق حديثًا واقعيًا لا تجميليًا. هكذا يرتبط هذا التدخل الأخضر مباشرةً بروح مشروع تعزيز الوصول للأسواق MARKETSYemen في هذا القطاع الواعد (العسل)، هذا المشروع الذي لا يرى السوق كنقطةَ نهاية، بل كنتيجةٍ طبيعيةٍ لمسارٍ طويلٍ يبدأُ من الأرضِ، ويمرُ بالنّحال، ويصل إلى المستهلك بكلِّ ثقة.

بهذا المعنى فإن السدر هنا ليس مجرد شجرة فقط بل هو حلقة أساسية في سلسلة قيمة كاملة. حلقة تعالج الجذر قبل أن تعالج العرض، وتبني الأساس قبل أن تزيّن الواجهة. وحين تقوى هذه الحلقة لا ينعكس الأثر على جودة المنتج وحدها، بل على البيئة التي تستعيد شيئًا من توازنها، وعلى المجتمعات التي تجد مصادر دخل أكثر تنوعًا واستقرارًا، وعلى الاقتصاد المحلي الذي يصبح أقل عرضةً للاهتزاز مع كل أزمة.

ربما لا تعطي أشجار السدر أفضل إنتاجها إلا بعد سنوات لكننا في SMEPS اخترنا أن نفكّر بمنطق المستقبل لا بمنطق الموسم. اخترنا أن نزرع اليوم ما سيحمي سمعة العسل اليمني غدًا، وما سيجعل الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية طريقًا مبنيًا على جودة حقيقية لا على وعودٍ مؤقتة.

في النهاية هذه ليست قصة شتلات تُزرع، بل قصة رؤية تُنفّذ. رؤية تقول إن التنمية لا تُستورد جاهزة، بل تُبنى من الأرض. وأن السوق لا يُفتح بالقفز فوق الواقع، بل بتحسينه من جذوره. وأن شجرة واحدة حين تُزرع في المكان الصحيح وبالنية الصحيحة، يمكن أن تغيّر مصير قطاع كامل. هكذا تبدأ الحكاية في حضرموت.. من شجرة، وهكذا تمضي بثبات نحو سوق، ونحو مستقبل أكثر اخضرارًا، وأكثر جودة، وأكثر حياة.

هذا المشروع يمول من البنك الإسلامي للتنمية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.